عبد الملك الجويني

134

نهاية المطلب في دراية المذهب

الموت ، وهذا إلى فقهٍ ( 1 ) ؛ فإن الحيّ هو المخاطب ، والنيابة بعد موته في العبادة أبعدُ من النيابة في حياته ، والخطابُ مستمر عليه . ثم المعتبر في الاستنابةِ أحدُ شيئين : إما المالُ يبذله لمن يستأجره ، وإما فرضُ بذل الطاعة من الغير ، من غير مالٍ . ونحن نذكر في كل قسمٍ ما يليق به : 2432 - فأما الاستئجار ، فإذا ملك أجرةَ أجيرٍ يحج عنه ، وفضل ذلك عن ديونه ، وعما نخلّفه له ، لزم بذلُه ، ولا نظر إلى إياب الأجير ، وإنما المعتمد أجرتُه . وهذا لا خفاء به . ولو وجد أجرة أجيرٍ ماشٍ ، ولم يجد أجرة أجيرٍ راكب ، ففي وجوب استئجار الماشي وجهان : أحدهما - أنه يجب ؛ فإن الفرق بين المشي والركوب إنما يتجه في حق الرجل نفسه ؛ من جهة أنه لا يكلّف المشي ، فأما الأجير إذا تَكَلَّفَه ، والتزم تحصيلَ الحج ، فاعتبار ضراره في حق مستأجِره بعيد . وهذا ظاهر المذهب . والوجه الثاني - أنه لا يجب استئجاره ، من جهة أن الماشي على غررٍ ظاهرٍ ، وبذل المال في أجرته تغريرٌ بالمال ، من غير ثقةٍ ظاهرة بتحصيل المقصود . 2433 - ويتصل بهذا الموضوع سرٌّ في المذهب ، يتضح به حقيقةُ الفصل ، فإن قيل : لو كانت الأجرة مملوكةً ، ولكن لو بذلها ، كان فقيراً بعد بذلها ، لا يجد ما ينفقه ، فكيف الوجه في ذلك ؟ قلنا : إن جرينا على ما حكاه العراقيون عن ابن سُريج ، في تخليف رأس ( 2 ) المال في قسم استطاعة مباشرة الحج ، فلا شك أنا نرعى أن تكون الأجرةُ المبذولة زائدةً على ما يخلِّفه من بلاغ . وإن قلنا : لا يُشترط ذلك في حق المباشرة ، فلا شك أن نفقة المباشرة ذاهباً وآيباً ، وما يتركه على أهله بلاغٌ له في الحال ، فإن فرض انقطاعٌ ، فهو بعد حصول الحج ، فكأنا نقول : لا مبالاة بمسكنته بعد حصول الحج ، وهذا الذي نقدره من المسكنة

--> ( 1 ) كذا في النسخ الثلاث ، والمعنى : وهذا يُشير إلى الفقه ، أو وهذا هو الفقه . ( 2 ) ساقطة من ( ط ) .